مقالاتمن هم الفولان / الفلاتة

الفولانيون وقدماء المصريين

بدعم من اسكاي هوست

الصــلة بين الفــولانيين وبين قدمــاء المصريين :

أ.د. الأمــين أبومـــنقة و أ.د. سليــمان يحـــيى

مستخلص:

نهدف في هذا المقال إلى القول بأن هنالك صلة ما (ليست بالضرورية رحمية) تربط بين الفولانيين وبين كل من قدماء المصريين وقدماء بلاد النوبة، وأوردنا عدداً من الأدلة التاريخية والآثارية والثقافية والدينية التي تعضد هذا القول، منطلقين من حقيقة تم إثباتها مؤخراً، مفادها أن الموطن الأول للفولانيين في إفريقيا يقع إلى الغرب من مصر (منطقة تسيلي نجير في الجزائر). وقد حاولنا ربط هذه الحقيقة بالبعض من النظريات التي تنسب الفولانيين إلى الهكسوس وقدماء المصريين، والقول بوجود شعب في مصر الفرعونية يربي الأبقار ويقدسها. وحاولنا كذلك استجلاء مظاهر الشبه (مدعومة بالصور) بين قدماء المصريين والفولانيين (الامبررو) فيما يتصل ببعض المعتقدات الروحية وافتتان الرجال بالزينة عند كليهما.
بالنسبة لقدماء بلاد النوبة، فقد عني المقال بالمجموعة (ج) على وجه التحديد، والتي ظهرت فجأة تحمل ثقافة جديدة تتمحور حول البقرة، ويعتقد أنها قادمة من جهة الغرب. وقد أوردنا بعضاً من مظاهر الصلة بين الفولانيين وقدماء النوبة (استخدام السهام/النشاب، وتقديس الكبش مثلاً)، ودعونا المؤرخين إلى أخذ الفولانيين في الاعتبار عند البحث عن أصل المجموعة (ج) النوبية.

مقدمة:

لم تتعدد النظريات وتختلف حول أصل شعب من الشعوب – حسب علمنا – مثل تعددها واختلافها حول أصل الفولانيين. ولكن ما إن ينظر الباحث إلى هذه النظريات بشيء من التعمُّق حتى يتضح له أن الاختلاف في جلِّها اختلاف ظاهري فقط، وليس جوهرياً، إذ إن ما يربط بعضها ببعض تاريخياً أقوى مما يفرق بينها. فالنظريات التي تنسبهم إلى القوقاز والهكسوس وقدماء المصريين والليبيين والروم وبني إسرائيل والعرب مثلاً كلها في نهاية المطاف تنتهي بهم إلى المساحة الممتدة من صحراء سيناء عبر الصحراء الليبية إلى قلب بلاد المغرب. والبعض من العناصر البشرية المذكورة أعلاه، والتي أصلها من خارج القارة الإفريقية، قد أثبت التاريخ وجودها في يوم من الأيام في هذه الرقعة الجغرافية. هذا، بينما كشفت الحفريات الأثرية في منطقة تسيلي ناجير(Tassili N’Ajjer) في الجزائر عن رسومات ونقوش في الكهوف لشعب يرجَّح أنهم الفولانيون، كما سنرى لاحقاً.
وكذلك اختلف المؤرخون حول أصل المجموعة (ج) (C-Group)النوبية التي ظهرت فجأة في بلاد النوبة بملامح إثنية غير زنجية حاملة نمطاً اقتصادياً اجتماعياً جديداً يتمحور حول تربية الأبقار، رجَّح بعض المؤرخين أنها مهاجرة من جهة الصحراء الليبية.
لقد وجدنا من خلال الدراسات المتوافرة حول الفولانيين، ومن خلال ملاحظتنا لهيئآتهم الإيكنوقرافية ونمط معيشتهم وثقافتهم المادية ومعتقداتهم الروحية (خارج إطار الإسلام)، وجدنا – كما وجد غيرنا من قبل – تشابهاً ملاحظاً بينهم وبين قدماء المصريين وقدماء بلاد النوبة، الأمر الذي دعانا إلى محاولة البحث والتوسُّع في هذا الموضوع وإلقاء مزيد من الضوء عليه، معتمدين في ذلك على أدلة تاريخية وشواهد أثرية ولغوية وثقافية. وتجدر الإشارة إلى أننا لا نسعى في هذا المقال إلى إثبات أن هؤلاء هم أولئك بقدر سعينا إلى إثبات وجود قدر مقنع من الصلة بينهم ترجع إلى عهود غابرة في التاريخ.

1– الفلاتة الفولانيون: الأصل والموطن

يُعرف الفلاتة الفولانيون بمختلف المسميات، منها : فولاني(Fulani)، وفولا Fula(h))، و بيول (Peul)، وفلاتة(Fallata/Fellata). غير أن للمسمى الأخير، أي “فلاتة” مدلولاً شمولياً خاطئاً في مفهوم السودانيين بصورة خاصة، حيث يعني عندهم كل المجموعات المهاجرة من غرب إفريقيا بمختلف قبائلها وخلفياتها الإثنية، بما في ذلك الفولانيون أنفسهم. فالشعب المعني في هذا المقال هم مجموعات الفلاتة الفولانيين بشقيهم البدو (رعاة الأبقار) والمستقرون الذين ارتبط تاريخهم بحركات الجهاد ونشر الإسلام والعلم وتأسيس الممالك والإمبراطوريات الإسلامية في غرب إفريقيا، والذين إليهم ينتمي المجاهد الشيخ عثمان بن فودي. وهم المتحدثون باللغة الفولانية، ويسمونها “فلفلدي”.
تتدرج ملامح الفولانيين الفيزيولوجية من السحنة النحاسية والشعر الطويل الناعم، وتقاطيع الوجه الدقيقة (كما هو الحال عند بعض المجموعات البدوية وشبه البدوية كالأمبرورو والودابي والويلا والدقرا) إلى السحنة الداكنه والشعر المجعَّد والأنف الأفطس (كما عند بعض البولار والبيول في السنغال ومالي وغينيا). من المؤكد أن للاختلاط والتصاهر والتمازج مع المجموعات الإفريقية الأخرى دوراً في هذا التباين. وكذلك تختلف أنماط حياتهم ومعيشتهم ومن ثم بعض الجوانب من ثقافاتهم، إذ منهم من يمارس حياة موغلة في البداوة مكرَّسة لتربية الأبقار (والضأن) وخدمتها، ومنهم مجموعات أصبحت تمتهن الزراعة وما عاد لها شأن بتربية الحيوان، ومنهم من يجمع بين الاثنين، وهناك بعض منهم لا شأن له بهذا أو ذاك، بل اقتفى خطى أجداده مؤسسى الممالك فكرَّس حياته للعلم والسياسة.
وفي ما يتصل باللغة والثقافة، فكل المجموعات البدوية الرعوية ما زالت محتفظة بلغتها العرقية (الفلفلدي) وبالثقافة الفولانية الأصلية(Pulaaku). أما المستقرون فيتفاوتون في هذا الأمر تبعاً لأوضاعهم الاجتماعية في مختلف أماكن وجودهم. فمنهم المحافظون على لغتهم وثقافتهم الأم، ولكن هناك مجموعات ذابت لغةً وثقافةً في مجتمعات الأغلبية التي يعيشون وسطها، حيث هناك من ذاب في مجتمعات الماندينقو في غينيا، والبمبرا والصنغي في مالي، والهوسا في نيجيريا، والمجتمعات العربية في السودان.
كما ذكرنا في المقدمة، لقد اختلف الباحثون أيما اختلاف حول أصل الفولانيين، حتى خلص عالم الأنثربولوجيا، س.ك. ميك C.K. Meek إلى القول بأن في أصلهم لغزاً ((Puzzle (كبيراً) . لقد تناقش العلماء حول هذا الأمر لقرابة القرن من الزمان دون الوصول إلى إجماع حوله، وما كان لنا أن نتطرق إليه في هذا المقال لولا أن ظهرت دراسات جديدة في بعض مجالات العلوم الإنسانية (تاريخ مصر الفرعونية وبلاد النوبة، حفريات أثرية، دراسات إثنولوجية، دراسات في الفنون الإفريقية، إلخ) ألقت نتائجها أضواء جديدة عليه، سيتم الاستشهاد بها في مواضع مختلفة من هذا المقال.
هناك ما لا يقل عن خمس عشرة نظرية حول أصل الفولانيين. منها إنهم من: الماليزيين، الهنود، الأثيوبيين، الباسك (فرنسا)، القوقاز، الهكسوس، الفينيقيين، اليهود السوريين، قدماء المصريين، الفلاحين المصريين (Fulah)، الحاميين، الليبيين، والعرب. والغريب في الأمر أن كل من أتى بإحدى هذه النظريات ساق معها الأدلة التي تعضدها، إما من ناحية التكوين الجسماني أو الثقافة. والقاسم المشترك بين معظم هذه النظريات، هو أنهم شعب قادم من خارج القارة الإفريقية. مهما يكن من أمر، فإننا لا نستبعد انتماءهم إلى أحد هذه الشعوب مع تأثرهم بالشعوب الأخرى (ربما لكثرة تجوالهم في العالم القديم). على أية حال، سيقتصر عرضنا ومناقشتنا هنا على النظريات ذات الصلة المباشرة بأطروحة هذا المقال.
من الذين صنَّف الفولانيين ولغتهم في السلالة الحامية، عالم اللغة الألماني كارل ماينهوف معتمداً في ذلك على سحنتهم (غير الداكنة) وتكوينهم الجسماني (الجسم النحيل) ونمط معيشتهم (الرعي) . غير أنه ، حتى إن صدقت أدلته فيهم من حيث السلالة، من المؤكد أنه كان خاطئاً في تصنيفه لغة الفلفلدي لغة حامية.
أما س.ك. ميك فقد أشار إلى الشبه الكبير بين الفولانيين وقدماء المصريين، دون التطرق إلى مسألة الأصل أو الانتماء، حيث يقول:
إن الشبه في التكوين الجسماني بين العنصر النقي من الفولانيين وبين قدماء المصريين لملفت للنظر. فنجد في كليهما نفس شكل الجمجمة، والوجه المخروطي، وشكل الذقن، وغياب الشوارب، والشعر الزنجي المجعَّد. وقد أخذوا من الفراعنة طريقة تصفيف الشعر وعادة الختان.
ولا يذهب شونتر (Chantre) وبروكا (Broca) بعيداً عن ملاحظة ميك، حيث ينسبانهم إلى الفلاحين المصريين في وادي النيل.
وهناك من نسب الفولانيين إلى الفينيقيين، ربما – حسب تفسير ميك – لأنهم حمر البشرة، والإغريق يسمون الفينيقيين بـ”الشعب الأحمر” (في رواية أخرى “ذوي الأشرعة الحمراء”)، وأنهم ، أي الفولانيين، يلبسون القبعة الفينيقية ويصفِّفون شعرهم على شكل الخوذة الفينيقية (انظر الصورة رقم (1) ورقم(2) في ملحق الصور عند نهاية المقال).
بيد أن دولافوس يصفهم بأنهم شعب خليط من نسل يهودي-سوري استقر منذ زمن سحيق في سيرينايكا (ليبيا)، ومن هناك شقوا طريقهم إلى وادي النيجر الأعلى وأصبحوا الحكام البيض لمملكة غانا من القرن الرابع إلى الثامن أو التاسع الميلاديين . وهنا نجد دولافوس قد اتفق إلى حد كبير مع هيرودوتس الذي يصف شعباً كان يعيش في هذه المنطقة تتطابق معظم صفاتهم مع صفات الفولانيين، حيث كتب قائلاً:
المنطقة من مصر حتى بحيرة ترويتونيس (Troitonis) في ليبيا تسكنها قبائل متجولة، شرابهم اللبن، وأكلهم لحوم الحيوانات. لا نجد أحداً منهم قد ذاق لحم البقر، بل يبتعدون عنه مثلهم في ذلك مثل المصريين. ولا أحد منهم يربي الخنزير. وحتى في سيريني (أو كوريني) (Cyrene) (سرينايكا؟) تعتقد المرأة أنه من الخطأ أكل لحم البقرة، وذلك تقديراً لإيزيس المعبودة المصرية، والتي يعبدونها عن طريق الصوم وإقامة الاحتفالات لها.
أما علماء القرن التاسع عشر من الفولانيين الذين اهتموا بنسب قبيلتهم، وهم قلة، فقد جمعوا بين نظريات الأصل العربي اليهودي والرومي. ومن هؤلاء الشيخ عبدالله بن فودي في كتابه المعنون “كتاب النسب”، سوى أنه استخدم عبارة “بني إسرائيل” بدلاً عن اليهود، حيث يقول:
واعلم أن قبيلتنا التي تسمى توربِّ (Torobbe) (أحد كبرى بطون الفولان) الذين جاءوا من فوتَ (Futa)، فيما نسمع، هم إخوان جميع الفولانيين… كان عقبة بن عامر المجاهد الذي فتح بلاد الغرب زمن عمرو بن العاص في مصر ووصل إليهم، وهم من قبائل الروم. فأسلم ملكهم من غير قتال وتزوج عقبة ابنة ملكهم اسمها بجُّ منغَ (Bajjo Mango)، فولد الفولانيين جميعاً. هذا ما تواتر عندنا وأخذناه من الثقاة الذين يخرجون من بلاد فوت… وقد علمت أن الروم هو عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام.
وفي إحدى قصائده يلخِّص الشيخ عبدالله هذا النسب في الأبيات التالية:
فلنا لإسماعيل نسبة عقبة ولنا لإســرائيل أصل جار
أعمامنا عربُ كما أخوالنا أبناء إســـرائيل أصل جار
من طور سينا أصلنا وجهادنا أفضـى لفوت بنا يثار الدار
ثم الحوادث سيَّرت أجدادنا لبلاد حوس موالدي ووجارى
إن كل ما عرضناه أعلاه لا يوصلنا إلى أصل الفولانيين بصورة قاطعة، كما أن هذا ليس مبتغانا الأساس في هذا المقال. فغرضنا في كل هذا، بيان وجود قدر ما ونوع ما من الصلة أو العلاقة بين الفولانيين ومجموعة الشعوب التي ورد ذكرها في ما تقدم (قدماء المصريين، هكسوس، فينيقيين، روم، ليبيين، بني إسرائي، وعرب). لعل أهم ما نخرج به مما تقدم من عرض ، نتيجتان: 1) هناك ما يربط بين الفولانيين من جهة، وبعض الشعوب البيضاء (أو الحمراء) القادمة من خارج القارة الإفريقية من جهة أخرى. 2) هناك شواهد تشير إلى وجود الفولانيين في الرقعة الممتدة من صحراء سيناء إلى بلاد المغرب قبل ظهورهم في إفريقيا جنوب الصحراء. والنتيجة الثانية ذات أهمية قصوى لما سيأتي لاحقاً من نقاش.
تجمع أغلب المراجع المهتمة بالدراسات الفولانية بأن أول موطن عُرف للفولانيين في إفريقيا هو فوتا تورو في شمال السنغال وجنوب موريتانيا، مع موطن ثانوي في فوتا جالو في غينيا. ولكن – كما ذكرنا في المقدمة – ظهرت كتابات متأخرة نسبياً تشير إلى وجودهم شمال الصحراء آلاف السنين قبل ظهورهم جنوبها. فقد كشفت الحفريات في تسيلي ناجير في الجزائر عن رسومات على الصخور لأعداد كبيرة من الأبقار، مما دعى مارغريت ترويل إلى الإشارة إلى هذه الحقبة بـ” الحقبة البقرية” (Cattle Period). وتصوِّر الرسومات في تلك الحفريات أناساً يقودون الأبقار ومجموعة من الأشخاص يلبسون الحلي، “وهؤلاء غالباً هم الذين يطلق عليهم الفولانيين”
ويؤكد العالم السنغالي أحمد همبتي با أن الرموز التجريدية في رسومات تسيلي هي نفس الرموز التي كان يستخدمها الفولانيون في طقوس العبور في مناطق السنغال وغامبيا في زمنه، حيث إنه نفسه قد مر بها. وتتفق هذه الرموز، حسب أحمد همبتي با، في أشكال الملابس (المزركشة والمزدانة) وأشكال قرون الأبقار، ويعبَّر عن الميدان الذي تقام فيه طقوس العبور بقرص الشمس محاطة بدائرة من رؤوس الأبقار ترمز للمراحل المختلفة للقمر. ويضيف بأن “البقرة الخنثمشكل” (Hermaphroditic cow) التي تظهر في رسومات تلك الحفريات ترد أيضاً في الأساطير التي تروى أثناء طقوس العبور. ويلاحظ أديببيقبا أن جدائل الشعر المتدلية على ظهر المرأة في رسومات تسيلي مطابقة تماماً للتي عند المرأة الفولانية اليوم. إن ما أورده أحمد همبتي با أعلاه يدعونا إلى الإشارة إلى أن طقوس العبور التي مر بها ما زالت تمارس إلى يومنا هذا عند الفولانيين الامبرورو بجنوب النيل الأزرق، وأن شكل ملابس طقوس العبور التي وجدها برين في رسومات تسيلي يتفق – من حيث الزركشة والزينة – مع شكل الملابس التي يلبسها الفولانيون الامبرورو بجنوب النيل الأزرق اليوم في مناسباتهم المختلفة . وانطلاقاً من إفادة ديلانقي بأن أماكن رسومات تسيلي تقع مباشرة إلى شمال المنطقة التي يمكن أن نجد فيها الخصائص الأصيلة للفولانيين، يرجِّح أديبيقبا أن تكون تسيلي ناجير هي الموطن الأصل للفولانيين (في إفريقيا).
وهناك مجال آخر من الدراسات يربط الفولانيين أيضاً بشمال إفريقيا، وهي دراسات الثقافة المادية. لعل أهم جانب يشتهر فيه الفولانيون في هذا المجال، ذلك المتعلق بالنقش على القرع (جمع قرعة Wild Gourd). فقد ذكرت ديلانقي (Delange) أن هناك أثراً كبيراً للطوارق في فن الفولانيين فيما يتصل بهذا النقش. فكلتا المجموعتين (الفولانيون والطوارق) تستخدم الخطوط بصورة أساسية في النقوش، الطوارق على المجوهرات والفولانيون على القرع. وأشكال الخطوط عند كليهما متشابهة بصورة ملاحظة. وكذلك لاحظت أن كلاً من البربر والفولانيين يستخدمون المصنوعات الفخارية لأغراض وظيفية وأغراض جمالية (كحاويات، وأدوات منزلية، وأحواض غسيل، وأدوات زينة حائطية، وتستبعد ديلانقي أن يكون عامل التجارة وراء هذا التشابه، بل بالأحرى الاتصال المباشر والتعايش معاً، لا سيما – في قولها – أن بساقري (Passagre) وعلماء آخرين يرون أن الفولانيين من أصل بربري من شمال إفريقيا.
كذلك تؤيد دراسة أديبيقبا ملاحظة ديلانقي، حيث يؤكد أديبيقبا أن النقش الذي يستخدمه الفولانيون في تزيين قرعهم يشبه ذلك الذي تزين به قبيلة الكبيلي البربرية في الجزائر أوانيها الفخارية.
إذن يُستخلص مما تقدم أن هناك من الأدلة المادية ما يؤكد وجود الفولانيين في بلاد المغرب والصحراء الكبرى قبل ظهورهم جنوب الصحراء. وحتى ما أورده الشيخ عبدالله بن فودي من الزيجة التي تمت بين عقبة بن عامر وابنة ملك الروم كان مسرحها هذه المنطقة. وتجدر الإشارة إلى أن اسم ابنة ملك الروم – أي بجُّ منغُ ( ربما منغَManga) – يعني في اللغة الفولانية، “الكبيرة” أي الفريدة عظيمة الشأن، مما يوحي بأن الفولانيين كانوا موجودين في هذه المنطقة قبل وصول عقبة بن عامر إليها. وكذلك بقية النظريات التي تتحدث عن الأصل الليبي والمصري القديم والهكسوس والفينيقي كلها تشير إلى الوجود المبكر للفولانيين في المساحة الجغرافية الواقعة بين مصر عبر سرينايكا (ليبيا) إلى بلاد المغرب والصحراء الكبرى.

2- “
البقرة” و”الشمس” و”النار” في اللغة الفولانية – مدخل آخر للنقاش
بما أن أطروحة هذا المقال تستند على معطيات تاريخية وثقافية، مادية وغير مادية، وأن اللغة مرآة للثقافة، فسوف نحاول في هذا الجزء من المقال استجلاء بعض المعطيات اللغوية التي تعضد أطروحتنا، لا سيما وأن مفاهيم الفولانيين للكائنات حولهم وكذا فلسفتهم في الحياة نجدها مجسَّدة في لغتهم، ليس فقط في ألفاظها، كما هو الحال في اللغات الأخرى، بل في أبنيتها الصرفية والنحوية. ولكن قبل أن ندخل في الموضوع ينبغي الإشارة مرة أخرى إلى الإشكال القائم حول العلاقة بين الفولانيين كمجموعة إثنية من ناحية، واللغة الفولانية التي يتحدثونها اليوم من ناحية أخرى. فقد رأينا في ما تقدم أن شعب الفولاني قادم من خارج القارة الإفريقية، وهذا أمر يكاد يحظى باتفاق العلماء. غير أن اللغة التي يتحدثونها هي لغة مجموعات إسمية (Noun Class Language)، ولها صلة رحم باللغات السنغالية واللغات البانتوية. فبهذا المعنى، إنها لغة إفريقية صرفة لم يجد علماء اللغة أمثلة لفصيلتها اللغوية خارج القارة الإفريقية. على أية حال، حتى إذا صدق الرأي القائل إنه ربما يكون الفولانيون قد تخلوا عن لغتهم الأصلية وتبنوا هذه اللغة الإفريقية لغةً لهم، فإن إفريقيتها تنحصر في ألفاظها وتراكيبها، بينما ترجع المفاهيم التي تقوم عليها إلى ثقافة الفولانيين ونظرتهم للحياة.
إن أهم ما يميز اللغة الفولانية – وكذلك بقية لغات الفصيلة التي تنتمي إليها – هو أن أسماء كل الكائنات تتوزع في نظام مجموعات، تنضوي كل مجموعة تحت حقل دلالي معين وينتظمها (أي المجموعة) نمط صرفي خاص بها من حيث الإفراد والجمع. فمثلاً كل الأسماء التي تشير إلى مجموعة الآدميين (الإنسان) نجد المفرد منها ينتهي باللاحق(suffix) o-، والجمع باللاحق e– كما في كلمة gorko “رجل” وجمعها worb’e “رجال”، وكلمة laamiid’o “ملك” وجمعهاlaamiid’e “ملوك”. ونجد أسماء السوائل كلها تنتهي باللاحقam-، كما في كلمة ndiam “ماء” و kosam “لبن”، وهكذا في بقية المجموعات. وتحتوي اللغة الفولانية (لهجة الوسط – نيجيريا) على خمس وعشرين مجموعة من هذا النوع، كل منها يضم عدداً من الأسماء(nouns) يتراوح بين حوالي عشرين وثمانين اسماً تقريباً، باستثناء مجموعتين، هما: مجموعة (nge-class) nge التي تضم ثلاثة أسماء فقط، ومجموعة (kol-class) وقوامها اسم واحد فقط. وهاتان هما المجموعتان موضوع اهتمامنا في هذا المقال.
إن الملفت للنظر في مجموعة nge ليس فقط اقتصارها على ثلاثة أسماء، بل إن هذه الأسماء، على عكس ما هو الحال في المجموعات الأخرى كالآدميين والسوائل، يصعب من الوهلة الأولى التعرف على أي رابط دلالي بينها يبرر تصنيفها في مجموعة واحدة. والأسماء الثلاثة هي: “البقرة” nagge ، و”الشمس” naange و”النار” yiite.
إذا تذكرنا أن كل الفولانيين في الأساس كانوا رعاة أبقار قبل أن يهجر بعضهم حياة البداوة، نجد أن البقرة تمثل كل شيء في حياتهم، بل (في مفهوم المجموعات البدوية منهم) هي أسباب وجودهم raison d’etre، حيث يعتقدون أنهم خلقوا لخدمتها: يتعاملون معها بنوع من القدسية، فيقسمون بحوافرها ويتواصلون معها، إذ إن أبقار الامبرورو لا ترعى إلا إذا وقف الراعي في هيئة معينة وأعطاها الضوء الأخضر للانطلاق في الرعي.
تشير الأساطير المتواترة حول أصل البقرة – على الأقل في حزام السافنا في غرب ووسط إفريقيا – إلى أن الفولانيين هم أول من امتلك البقرة، ومنهم أخذتها وأخذت ثقافتها بقية الشعوب التي امتلكتها فيما بعد. فتقول الأسطورة السائدة عند عرب الشوا حول بحيرة تشاد:
في الزمان الغابر كان البقر يعيش في الماء، ولم يتم ترويضه بواسطة الإنسان بعد. فرأى عالم فولاني هذه الحيوانات وأعجب بها، فقام عن طريق السحر والأعشاب (العروق) بإخراجها من الماء. وكان الناس في البداية يخافون من هذه الحيوانات الضخمة ويفرون منها، ولكن سرعان ما ألفوها، وتعلموا كيف يوقدون النار حول الزرائب التي تتجمع فيها فتحس بالراحة.
وهناك أسطورة أخرى تقول أن أحد أسلاف الفولانيين سمع صوتاً يناديه يخرج من البحر. فذهب وجلس بشاطيء البحر (النهر؟) وأوقد ناراً، وعند شروق الشمس خرجت البقرة من البحر، وكان قرص الشمس بين قرنيها. فجاءت ورقدت بجوار النار وأخذت تتكاثر.
إلى جانب فكرة كون الفولانيين هم أول من امتلك البقرة في مناطق غرب ووسط إفريقيا، فإن الأسطورتين أعلاهما تحتويان على كلمات مفتاحية قد تفسر لنا كنه مجموعة nge (nge class) التي نحن بصدد الحديث حولها، وهذه الكلمات (والتي تحتها خط) هي: “البقرة” و”الشمس” و”النار”. فهذه الكلمات هي المكونة لمجموعة nge، وما ورد في الأسطورتين يعطينا تفسيراً مقنعاً لتصنيفها في مجموعة واحدة رغم عدم تجانسها دلالياً. إذن فإن “البقرة” و”الشمس” و”النار” تشكل مجموعة متجانسة دلالياً (مجموعة nge)، وهي مجموعة العناصر الحيوية في الوجود عند الفولانيين، بما في ذلك المعتقد. وتجدر الإشارة إلى أنه إلى يومنا هذا يمارس الفولانيون الرعاة عادة إيقاد النار في المساء حول زرائب الأبقار لتستريح، وتسمى هذه النار تحديداً في اللغة الفولانية d’uud’al “تكاثر” اعتقاداً منهم بأنها تعين على توالد الأبقار (تبعاً لما ورد في الأسطورة الأولى) وتجلب لها النماء.
أما “قرص الشمس بين قرني البقرة”، فيذكر بآلهة قدماء المصريين (انظر الصورة رقم (6))، وما زال الفلانيون الرعاة يرمزون له في احتفالاتهم بطقوس العبور، كما رأينا في إفادة روبرت برين التي ورد ذكرها فيما تقدم. وسوف نعود إلى هذا الموضوع عند حديثنا عن صلة الفولانيين بقدماء المصريين.
أما مجموعة kol(kol-class)، فقوامها – كما أسلفنا – اسم واحد فقط، وهو nyalahol “العجل”. وهذه المجموعة أيضاً ذات مغزى كبير في نظرة الفولانيين للحياة. فالعجل هو ابن البقرة ورمز لاستمراريتها، يعظمونه ويقسمون أيضاً بحوافره. لذلك لم يجدوا له كائناً آخر يدانيه في المقام فيشاركه هذه المجموعة، أي مجموعة kol. كما هو الحال بالنسبة لـ”قرص الشمس بين قرني البقرة”، فإن للعجل أيضاً مكانة خاصة من بين معبودات قدماء المصريين، كما سنرى لاحقاً.
نخلص مما تقدم إلى أن البقرة تمثل عصب الحياة وأسباب الوجود عند الفولانيين وأهم عنصر في ثقافتهم. فقد أورد تيلر Taylor 82 اسماً للأبقار في اللغة الفولانية، حسب ألوانها، وطباعها، وأعمارها، وأشكال قرونها، الكسول منها والنشط، التي تسير في مقدمة القطيع منها والتي تسير خلفه، الضعيف منها والوديع، الولود منها وغير الولود، وحسب كمية لبنها، وحسب عدد البطون التي خلفتها، وما إذا كان صغيرها قد نفق أم على قيد الحياة، إلخ. كل هذا يؤيد الاعتقاد السائد لدى بعض شعوب غرب ووسط إفريقيا بأن الفولانيين هم أول من امتلك البقرة. وقد أثبت براوكيمبر (Braukämper) أن ثقافة البقارة(Baggarization) قد تطورت على أيدي الفولانيين، وأن من يُعرف اليوم بـ “البقارة” في دارفور، عند تحولهم من “أبالة” (رعاة الإبل) لظروف مناخية، امتلكوا فصيلة البقر التي كان، وما زال، يرعاها الفولانيون، كما أخذوا ثقافتها منهم. وكذلك رأينا العنصر الرابط بين “البقرة” و”الشمس” و”النار”، والذي يبرر تصنيفها في مجموعة إسمية واحدة في اللغة الفولانية، باعتبارها العناصر الحيوية في وجود الفولانيين. وكذلك رأينا أن للعجل مكانة أخص في مفهومهم للأسباب التي سقناها أعلاه، وأن “العجل” و”قرص الشمس بين قرني البقرة” يعودان بنا إلى معتقدات ومعبودات قدماء المصريين.

3– الفولانيون وقدماء المصريين:

لقد رأينا في الجزء الأول من المقال عند حديثنا عن الفولانيين من حيث الأصل والموطن، كثيراً من الشواهد التي تشير إلى وجودهم المبكر في مصر القديمة، فقد نسبهم ميك مباشرة إلى قدماء المصريين، كما ذكر الشيخ عبدالله بن فودي أنهم انتقلوا من طور سيناء عبر شمال إفريقيا إلى إفريقيا جنوب الصحراء. وحتى نسبتهم إلى الهكسوس والقوقاز وغيرهم ينتهي بهم إلى مصر – كما أسلفنا – حيث ذكر سيريل ألدريد (Cyril Aldred) أن الملوك الهكسوس قدموا إلى مصر بعد أن غزوها، ووصفهم بأنهم أناس ساميون، وكان سلاحهم النشاب. وسوف نعود إلى موضوع السهام في الجزء الأخير من المقال عند حديثنا عن صلة الفولانيين بقدماء بلاد النوبة.
وكذلك أشار ميك – كما رأينا فيما تقدم – إلى أن الشبه بين الفولانيين وقدماء المصريين لملفت للنظر. كما رأينا أن المجموعة التي ذكر هيرودوتس أنها تسكن بين مصر وليبيا تنطبق عليها كثير من صفات الفولانيين، وتعتقد المرأة عند هذه المجموعة أنه “من الخطأ أكل لحم البقرة، وذلك تقديراً لإيزيس المعبودة المصرية، والتي يعبدونها عن طريق الصوم وإقامة الاحتفالات لها”.
غير أن أكثر مجالات الشبه بين الفولانيين وقدماء المصريين يتمثل في “المعتقد”. فقدماء المصريين يعتقدون أن في كل إنسان روحاً لا تفني بموته يسمونها “با”، وأن لكل فرد كائناً مستقلاً، كما أوضح أحمد عزت، يعرف باسم “كا”، ويعيش معه. وقد تخيلوا الروح “با” على هيئة طائر برأس بشري يربض عند قبر الميت حتى يبقى حياً. أما “كا” فهو الشخصية البشرية للإنسان بعد موته. فتلتحم الروح (با) مع جسد الميت (كا) ويحققان الحياة الأبدية. ونشير هنا مستصحبين الاعتقاد أعلاه، إلى أن الفلاتة الفولانيين في جنوب دارفور ينقسمون إلى فرعين رئيسيين، هما: الإبا (Iba) المتحدثين بلغة الفلفلدي بمختلف مجموعاتهم، والإيكا((Ika، وهم الذين تخلوا عن لغتهم العرقية وتحولوا إلى العربية. ولا نعرف إن كان هذا التقسيم موجوداً وسط الفولانيين في الأماكن الأخرى، غير أنه بالإمكان تلمُّس شواهد لوجوده في يوم من الأيام متمثلة في الألقاب التي تذيِّل أسماء الأعلام عند الفولانيين في أقاليم فوتا تورو (موريتانيا، السنغال، غامبيا) وفوتا جالو (غينيا) وماسينا (مالي)، وأهم هذه الألقاب، “با” (Ba) و”كا” (Ka) (أو “كان” (Kane) في فوتا تورو على وجه الخصوص). وممن يحملون هذه الألقاب من المشاهير، أحمد همبتي با الذي ورد ذكره فيما تقدم، وشيرنو كا، والشيخ حميدو كان.
وفي هذا المجال (أي مجال المعتقد) أيضاً يورد حضرة أحمد أفندي نجيب قائمة بآلهة ومعبودات قدماء المصريين، ويذكر أن أولها، “بتَّاح” وله من الحيوانات المقدسة، العجل أبيس. وقد رأينا فيما تقدم أن للعجل مكانة خاصة عند الفولانيين، بحيث إنه قد انفرد لوحده بمجموعة اسمية كاملة، وهي مجموعة kol (kol-class ) في اللغة الفولانية، ولا شيء غيره تمتع بهذه الخاصية في النظام الصرفي الدلالي لهذه اللغة.
وثاني هذه المعبودات، “رع” (إله الشمس)، وكان له جسم إنسان برأس كبش. و”كبش الأمبرورو” ذو القرنين الكبيرين الملتويين مشهور عند المجتمعات الرعوية في دارفور بما فيه من أسرار، كما سنرى لاحقاً. وبالنسبة لكبش قدماء المصريين، يقال إن المعبودة هاتور هي الكافلة بتربيته السفلية، وكانوا يصورونها على هيئة بقرة أو امرأة لها رأس بقرة، وكثيراً ما يرسمون هالة في شكل “قرص الشمس” فوق أو بين قرني البقرة. وقد رأينا فيما تقدم كيف أن “البقرة” و”الشمس” (إضافة إلى “النار”) تضمها مجموعة اسمية واحدة (مجموعة(nge في النظام الصرفي الدلالي للغة الفولانية، رغم عدم وجود ما يربط بينهما دلالياً سوى “المعتقد”. وصورة الإلهة إيزيس وعلى رأسها قرص الشمس داخل قرني بقرة (انظر الصورة رقم (4)) تذكِّر بما رواه روبرت برين حول تزيين الفولانيين ميدان طقوس العبور برؤوس الأبقار وقرص الشمس داخل قرني البقرة.
ومجال آخر للمقارنة بين قدماء المصريين والفولانيين، المظهر الخارجي وأدوات الزينة. فكثير من الصور المنقوشة على الجدران والصخور تشير إلى أن قدماء المصريين مهتمون بتزيين أنفسهم ومولعين بالملابس المزركشة والمطرَّزة، ويضعون أحياناً غطاءً على الرأس في شكل قطعة قماش مزركشة تتدلى فوق الكتفين. وحول ولع قدماء المصريين بالتطريز والزركشة أورد حضرة أحمد أفندي نجيب ما يلي:
ذكر هيرودوث أن أماسيس ملك مصر (من ملوك العائلة السادسة والعشرين) أهدى إلى بلاد لقدمونيا (مملكة قديمة ببلاد اليونان) زينة للصدر وقماشها من أغرب ما يرى، عليه نقوش كثيرة متنوعة بخيط الذهب وهدابها من القطن وأغرب ما بها أن جميع فتلاتها دقيقة مع أنها مركبة من 360 شعرة قطن يمكن الإنسان أن يتحقق منها.
وكذلك نجد أن الزي التقليدي لرعاة الفولان يتميز بالألوان الصارخة والزركشة والتطريز، ويكثر رجالهم من استخدام الكحل لإبراز العينين والمرايا الصغيرة المستديرة، أي ما يعرف بـ”عين الجمل”. وتغطي نساؤهم رؤوسهن بقطعة من القماش تتدلى فوق الكتفين (انظر الصورتين رقم (7) و(8)).
تجدر الإشارة إلى أن قدماء المصريين، ومنذ عهد المملكة المصرية القديمة، قد اهتموا باستخدام الكحل وجمال العينين. فقد كان الرجال منهم يستخدمون الكحل تماماً كما تفعل نساؤهم، ولعل أصدق مثال لذلك تمبالي رع وزوجته نفرت.
غير أن أكثر الأمور استحقاقاً للنظر والتأمل في هذا السياق، الوجود المكثف للماشية في مصر الفرعونية خلال الحقبة الممتدة من 1600 إلى 1000 قبل الميلاد. هذا علماً بأن التاريخ لم يشر إلى أن مجتمعات تلك الحقبة كانت رعوية في المقام الأول. فعند حديثه عن اقتصاد الأسرة المالكة كتب ج. فركوتر ما يلي:
وتوجد إلى جانب المزارع العائلية، مزارع أخرى أهم منها، هي المزارع الدينية والملكية، وكانت المزارع الدينية – وخاصة ابتداءً من الأسرة المالكة الثامنة عشرة (بعد 1580 ق.م) – غنية جداً. ومن ذلك أن مزارع الإله آمون تضم 81322 رجلاً، و 362ر421 رأساً من البقر، و43 بستاناً، و2393 كلم2 من الحقول، و83 مركباً، و56 قرية. وكانت تلك الممتلكات موجودة بصعيد مصر، بمصر السفلى وبسوريا وفلسطين والنوبة…
ويشير فركوتر هنا إلى التحول الإنتاجي الحرفي الذي اعترى المجتمع، إذ تحول من مجتمع صيدي إلى زراعي رعوي، حيث يقول: “نلاحظ في الوادي الأعلى انتقال مجموعات بشرية من صيادي الأسماك والحيوانات والمتعاطين قليلاً لتربية الحيوان، إلى نظام يجمع بين تربية الماشية وفلاحة الأرض. فهؤلاء كانوا أشباه الرُّحَّل…” وكثير من الصور المنقوشة على الجدران لتلك الحقبة تجسِّد حركة دؤوبة (تكرار المنظر في نفس اللوحة) لمظاهر الحياة اليومية، متمثلة في أبقار ذات قرون كبيرة (أشبه بأبقار الكوري التي يتميز بها الفولانيون) تجر المحاريث قارن شكل قرون الأبقار في الصورتين رقم (9و10).
فمن خلال ما تجسِّده اللوحة أعلاه (أبقار تجر المحاريث)، والعدد المهول من البساتين والحقول التي تمتلكها الأسرة المالكة الثامنة عشرة، يتأكد لنا أن النشاط الاقتصادي الأساسي لمجتمع ذلك العصر هو الزراعة، وهذا هو نمط المعيشة الذي كان يغلب على مصر الفرعونية. ولكن امتلاك الأسرة الثامنة عشر لذلك الكم الكبير من الأبقار (362ر421 رأساً) يصعب استيعابه خارج إطار المجتمعات الرعوية. هذا، وقد أشار فركوتر إلى أن “هؤلاء كانوا أشباه الرُّحَّل”، ولكن كيف لمجتمع واحد يمارس الزراعة بذلك القدر ويكون في نفس الوقت شبه متنقِّل؟ وفي محاولته لتفسير جمع ذلك المجتمع بين الزراعة والرعي تحدث عن “انتقال”، ولكن لم يشرح لنا كيف تم هذا “الانتقال”، كما لم يوضح من أين أتى البقر، وهذه نقطة جوهرية في أطروحتنا. فمثلاً عندما اضطرت بعض المجموعات العربية في دارفور إلى الانتقال لظروف مناخية، من رعي الإبل (أبالة) إلى تربية الماشية (بقارة) اقتضى ذلك وجود الماشية، والتي جاء بها الفلاتة الفولانيون إلى مناطقهم، وإلا كيف يتأتى لهم هذا الانتقال؟ غير أن الصورة في مصر القديمة تختلف قليلاً عما حدث في دارفور. فالمجموعة الرعوية المشار إليها في دارفور كانت في الأساس رعوية، وكل ما هناك أنها استبدلت حيواناً بحيوان آخر، فبقيت كما هي رعوية. أما في مصر الفرعونية فقد كان المجتمع زراعياً وصيدياً، ثم ظهرت فيه الماشية، ومن ثم النشاط الرعوي شبه المتنقِّل (إلى جانب الزراعة). فهذا يقودنا إلى الاعتقاد بأن المجتمع الذي تحدث عنه فركوتر قد نتج عن اتصال، ربما اندماج، مجتمعين بنمطين للمعيشة مختلفين. وبما أن المجتمع الزراعي الصيدي هو الأساس لمصر الفرعونية في مختلف حقبها، فيصبح المجتمع الرعوي هو الدخيل، وربما هو نفسه الذي وصفه هيرودوتس بقوله: “من مصر حتى بحيرة ترينوتس في ليبيا تسكنها قبائل متجولة، شرابهم اللبن، وأكلهم لحوم الحيوانات. لا أحد منهم ذاق لحم البقر…” وصفات هذه القبائل – كما بيَّنا من قبل – تنطبق إلى حد كبير على الفولانيين كما عهدناهم دوماً. هذا، ولا سيما قد رأينا أن عدداً من النظريات تشير إلى صلتهم بهذه المنطقة وشعوبها (مصر، ليبيا، شمال إفريقيا، بلاد البربر).

4- الفولانيون والأسرة (ج) النوبية:
عرفت المنطقة الممتدة من الحدود الجنوبية لمصر السفلى جنوباً إلى مشارف الخرطوم – عرفت في المصادر التاريخية بـ”بلاد النوبة” (Nubia)، وتعتبر أكثر مناطق إفريقيا حظاً من اهتمام المؤرخين وعلماء الآثار، ذلك لصلتها بالحضارة المصرية القديمة. وعند حديثنا عن هذه المنطقة تحت مسمى “بلاد النوبة” نواجه إشكالية منهجية يصعب لنا في هذا المقال تعديها. فقد أثبتت الدراسات التاريخية والحفريات الأثرية أن تاريخ الحضارات التي سادت في هذه المنطقة، في مختلف صورها، موغلة في القدم وذات صلة وثيقة بالحضارات الفرعونية. ولكن المعروف هو أن الممالك النوبية (نوباطيا والمقرة وعلوة) قامت على أنقاض مملكة نبتة/مروي (850ق.م – 350م)، وأن هناك من أرَّخ لوصول المجموعات النوبية (بالمعنى الإثني لـ”النوبة”) بحوالي 350 ق.م. فالإشكال المنهجي المعني هو متى بدأ الدور النوبي في هذه المنطقة هناك من يعتقد أن كلمة “نوبة” جاءت من اللفظة المصرية “نبو” (nbw) بمعنى الذهب افتراضاً أنها تشير إلى العبيد الذين يعملون في مناجم الذهب إلى الجنوب من مصر، أو “نبت” (nbt) بمعنى “ذوي الشعر المصفوف” إشارة إلى نفس الجماعة. إلا أن هذا التفسير لم يحظ بالقبول لدى بعض أساتذة تاريخ السودان، وذلك لعدم وقوفهم على هذا اللفظ في التاريخ المصري القديم، ومن هؤلاء سامية بشير في قولها:
أما ما ذكره بدج أن اسم نوبيين مشتق من كلمة مصرية (نبو) بمعنى جامعي الذهب يريد بذلك إرجاعه للعصر الفرعوني – فهو رأي ضعيف، لأنه لو كان الأمر كذلك لوجدنا إشارة إلى بلاد النوبة (تانبو) في اللغة المصرية، ولكن هذا اللفظ غير موجود في المعروف من الكتابات المصرية.
عليه يبدو أن العناصر البشرية التي كانت تعمِّر هذه المنطقة قبل قيام مملكة مروي لم يتم تحديدها بعد بالدقة الكافية، بالأخص من الناحية الإثنية. وقد اختار آدمز أسهل الطرق لتخطي هذا الإشكال، وذلك بتناوله لتاريخ هذه المنطقة تحت مسمى “بلاد النوبة” (Nubia) عبر العصور دون التوقف كثيراً عند “النوبة” كمجموعة إثنية ظهرت في زمن ما في تاريخ المنطقة. ونحن أيضاً نتبع نهج آدمز عندما نتحدث في هذا المقال عن “النوبة”، و”بلاد النوبة”، و”قدماء بلاد النوبة”.
من المعلوم أن منطقة بلاد النوبة بموقعها المرموق في تاريخ الحضارة البشرية وارتباطها الوثيق بالحضارات الفرعونية، تمثل بؤرة لالتقاء جماعات إثنية متعددة جاءت من كل حدب وصوب. ونذكر منها: القبط، وشعوب ما وراء البحر الأبيض المتوسط، والشعوب البربرية، والمجموعات الكوشية، والنوبة الأصليين، ثم العرب. وقد اتصل كل هؤلاء بالمجموعات المحلية التي كانت قائمة منذ العهود الفرعونية، وتمازجوا كلهم وانصهروا في بعضهم البعض عبر العصور فجاءت الخلاصة – لظروف تاريخية – نوبية بالمعنى الإثني واللغوي، ومنها تطور المجتمع النوبي الشمالي المعاصر المتميز.
وما يهم أطروحة هذا المقال في كل هذا الأمر، ما أورده المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس (Procopius) من إشارات لوجود النوبة – كمجموعة إثنية – في القرن الخامس الميلادي في مناطق الواحات الليبية (وبلاد البربر). فقد رُوي أنهم كانوا يجوبون حول واحة الخارجة ويشكِّلون مصدر إزعاج للرومانيين، فعرض عليهم الرومانيون مكاناً على النيل للاستقرار فيه . فربما من هنا جاءت تسميتهم بـ”البرابرة”. ولم تحدد الرواية المدى الزمني للاتصال بين النوبة الشماليين من جانب، والرومان والبربر من جانب آخر، ولكن عندما يصل هذا الاتصال حد استخدام كلمة “البرابرة” للتعريف بهؤلاء النوبة، فهذا ينطوي أيضاً على درجة مقدرة من التأثير والتأثر، وربما على درجة من التمازج العرقي.
نلاحظ في الفقرة أعلاه ورود بعض العبارات ذات المغزى المهم بالنسبة لأطروحتنا في هذا المقال، مثل “الواحات الليبية”، و”بلاد البربر”، و”البرابرة” و”الرومانيين”. وقد سبق أن وردت إشارات ذات صلة بكل هذه العبارات في مواضع كثيرة في هذا المقال مقرونة مع النظريات التي سيقت في أصل الفولانيين وموطنهم الأقدم في إفريقيا، من ذلك: المجموعات التي وصفها هيرودوتس ومطابقة كثير من صفاتها مع صفات الفولانيين، وملاحظة كل من ديلانقي وأديبيقبا حول الشبه الكبير بين فن الفولانيين في النقش على قرعهم من جهة، وفن البربر(الطوارق والكبيلي) في النقش على مجوهراتهم وأوانيهم الفخارية. وأهم من كل ذلك رسومات الأبقار ذوات القرون الكبيرة التي تسيطر على حفريات تسيلي في الجزائر (الحقبة البقرية Cattle Period –بعبارة ترويل) وترجيح لهوتي وغيره ارتباطها بالفولانيين. هذا هو مدخلنا في بحثنا عن العلاقة بين الفولانيين والمجموعة (ج) النوبية(C-Group).
تنتشر مواقع المجموعة (ج) في النوبة السفلى بين الشلالين الأول والثاني، ويؤرخ لها بالفترة الزمنية الواقعة بين نهايات الأسرة السادسة المصرية وبداية الأسرة الثامنة عشرة (2200-1450 ق.م). وقد حظيت هذه المجموعة باهتمام العديد من المؤرخين، وأثارت – وما زالت تثير- الكثير من الأسئلة حول الأصل الذي انحدرت منه، ولم تجد هذه الأسئلة حتى الآن الإجابة الشافية. فقد ظهرت هذه المجموعة فجأة في بلاد النوبة كمجموعة تميز عن المجموعتين السابقتين (أ) و(ب)، في نشاطها الاقتصادي الرئيس وفي مناطق سكناها وأشكال منازلها. فالمجموعتان (أ) و (ب) زراعيتان في المقام الأول، ويسكن شعباهما بالقرب من النيل أو على امتداد شاربه. أما المجموعة الجديدة (ج) فيبني شعبها منازلهم بعيداً عن النيل، وتتخذ بيوتهم الشكل الدائري مع فتحة في المنزل تتجه نحو منتصف الدائرة. كما توجد وسط الساحة أمام المنزل دائرة هي عبارة عن حظيرة الماشية. وقد لاحظ آدمز أنهم يربون الماشية (الأبقار) بغرض التباهي الاجتماعي، وليس فقط للعيش عليها. كما وجدت أعمال خزفية وفخارية عبارة عن نماذج مصقولة من الطين لأبقار وضأن وأغنام في مدافنهم وأماكن سكناهم، إضافة إلى رسومات لها على الحجارة. تجدر الملاحظة إلى أن بعض اللوحات التي خلَّفتها هذه المجموعة تشبه إلى حد كبير اللوحات المكتشفة في تسيلي من حيث الأعداد الكبيرة من الأبقار التي تحملها اللوحة الواحدة ومن حيث حجم وشكل قرون هذه الأبقار. وكذلك وُجد إناء فخاري لهذه المجموعة عليه نقوش عبارة عن لوحة تطغى عليها صور الأبقار، يقف وسطها رجل يحمل عصا يضعها على كتفيه ويمسك على طرفيها بيديه، وامرأة تضع إحدى ذراعيها على خصرها، والجزء الأعلى من جسدها عارٍ (انظر الصورة رقم (11) أدناه وقارن مع الصورتين رقم (12) و(13)):
ونشير هنا إلى أن العصا من أهم مستلزمات رعاة الفولان. فبالإضافة إلى استخدامها في السيطرة على مواشيهم وفي رقصاتهم الشعبية، إنها أيضاً الأداة الرئيسية في طقوس العبور عندهم، وسوف يرد مزيد من الحديث حولها لاحقاً. وهيئة الرجل والعصا على كتفيه في الصورة المعنية، هي إحدى الهيئات التي يتخذها الفولاني البدوي سائراً خلف ماشيته إلى المرعى أو أثناء رعيها. والأمر نفسه ينطبق على صورة المرأة في تلك اللوحة، حيث نلاحظ أن نساء بعض بطون الأمبرورو، بالأخص الودابي الذين لم يتأثروا كثيراً بالإسلام، يتركن الجزء الأعلى من أجسادهن عارياً. وحتى النسوة من البطون الأخرى التي تأثرت بالإسلام وبقدر من المدنية، في لبسهن التقليدي يتركن جزءاً قليلاً من أعلى الجسد عارياً (انظر الصورتين رقم (12) و(13). وحول الشعر المتدلي على الكتفين يذكر أديبيقبا في معرض حديثه عن نقوش تسيلي قائلاً: “… وحتى جدائل الشعر المتدلية على ظهر المرأة في الرسومات هي صورة طبق الأصل للمرأة الفولانية اليوم”.
على أية حال، وكما ذكرنا آنفاً، لم يتفق المؤرخون بعد حول هوية المجموعة (ج). وانطلاقاً مما أفاد به آدمز نفسه من أن هذه المنطقة قد اعتراها الجدب والتصحر قبل ظهور المجموعة (ج) ، نستبعد تماماً تحرك هذه المجموعة من جهة الجنوب من المنطقة النيلية الغنية آنذاك (وما زالت غنية) إلى تلك المنطقة الصحراوية المجدبة، إذ لا يقبل المنطق ولم يسجل التاريخ تحرك مجموعات رعوية من مناطق رطبة غنية بالكلأ ويتوفر فيها الماء وتتعدد مصادره، إلى مناطق أقل غنىً بالكلأ ولا يتوفر سوى مصدر واحد للماء، أي النيل. غير أن الجدب الذي يتحدث عنه آدمز قد يكون نسبياً بمنظور تلك الحقبة (قبل أكثر من1000عام). ولكن السؤال: أليس من الممكن أن تتحرك مجموعات رعوية من منطقة مجدبة ليس بها مصادر ماء سوى الواحات، إلى منطقة أقل جدباً ويجري فيها النيل؟ سنعود إلى هذا السؤال لاحقاً.
يشير آدمز إلى اتفاق معظم الباحثين مع رايزنر في اعتباره أن المجموعة (ج) نوبية بما لا يدع مجالاً للشك، غير أن هناك أيضاً منهم من شك في كونها أصلية ببلاد النوبة. ويستند هؤلاء على اختلاف هذه المجموعة عن سابقتيها فيما يتصل بأنواع الخزف وأنماط القبور. وفوق ذلك كله ركزوا على إدخال هذه المجموعة للاقتصاد الرعوي الذي يعكس نمطاً جديداً في الإنتاج الحرفي. إضافة إلى وجود دليل يوضح أن رفات هياكلهم العظمية تدل على وجود عنصر قوقازي فيهم. بالتالي، فإن تميُّز هذه المجموعة بهذه التركيبة الإثنية الثقافية يقود بالطبع إلى تصنيفها بأنها تنتمي إلى شعب مهاجر جديد. وبما أن الملامح الثقافية لهؤلاء المهاجرين ليست مصرية، وأن خصائصهم الجينية ليست إفريقية، فقد استبعد قدومهم من الشمال، كما سبق أن استبعدنا قدومهم من الجنوب. إذن فإما أن يكونوا قد قدموا من جهة الشرق أو من جهة الغرب. فبالنسبة للشرق، لم يتحدث التاريخ عن سيادة ثقافة “البقرة” في بلاد البجا في يوم من الأيام. عليه، لم يتبق سوى جهة الغرب. فقد حاول العديد من الباحثين تتبع أصل هذه المجموعة في ليبيا، حيث هناك دليل لوجود الماشية في تلك المنطقة وما والاها غرباً في فترة تاريخية مبكرة، نسبت إلى الحاميين القوقازيين، وهم دخلاء. ويوضح صاحبا كتاب “بهجة المعرفة” أنه إليهم تعود اللوحة التي وجدت في منطقة تسيلي، والتي تعود إلى حوالي عام 3500 ق.م، حيث ترى فيها أبقار ذوات قرون طويلة ترعى ويحاول عدد من الرجال حصرها في مكانها. وعن لوحة أخرى يقول:
إن أبقار الجرفيين التي ذكر هيرودتس أنه كانت لها قرون طويلة منحنية إلى الأمام، مما يجعلها تسير إلى الخلف أثناء الرعي، يبدو أنه وصف مبالغ فيه عند مقارنتها بما تبرزه رسوم الكهوف القديمة في جنوب ليبيا، وذلك كما يظهر في لوحة كهف جبارين في تسيلي في الصحراء.
لقد ثبت لنا الآن من خلال المعطيات التاريخية والآثارية، الوجود المبكر في سرينايكا (ليبيا) وما والاها غرباً، لشعب قوقازي الملامح ارتبطت حياته وثقافته بالأبقار. كما رأينا أن صفات هذا الشعب تنطبق بصورة ملاحظة مع صفات الفولانيين حسب ما وردت في مختلف الدراسات حولهم، وحسب ما نراهم في واقع الحال، علماً بأن هناك من المؤرخين من رجَّح أن يكون ذلك الشعب نفسه هم الفولانيون، مثل لهوتي، ومنهم من حاول تأكيد ذلك، مثل أديبيقبا. فلنعُد عند هذا المنعرج إلى السؤال الذي سبق أن طرحناه فيما يتصل بالجهة التي قدمت منها المجموعة (ج) النوبية، وهو: أليس من الممكن أن تتحرك مجموعات رعوية(الفولانيون؟) من منطقة مجدبة ليس بها مصادر ماء سوى الواحات (الصحراء الليبية/بلاد البربر) إلى منطقة أقل جدباً ويجري فيها النيل (بلاد النوبة)؟ لا نعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى أية درجة من التفكير والاجتهاد، لا سيما إذا انتبهنا إلى أن مسار التصحر دائماً من الشمال إلى الجنوب، مما يعني أن مناطق الصحراء الكبرى قد اعتراها التصحر قبل بلاد النوبة.
لسنا وراء كل ما تقدم بصدد الجزم بأن المجموعة (ج) النوبية هم الفولانيون، ولكنا ندعو المؤرخين في بحثهم عن أصل هذه المجموعة أن يضعوا الفولانيين أيضاً في أذهانهم. فحياة الفولانيين البدو عبر تاريخهم المديد عبارة عن سلسلة من الحل والترحال، واليوم يجوبون بمواشيهم في مساحات واسعة من حزام السافنا من السنغال حتى المرتفعات الأثيوبية، وقبل سنوات قليلة ظهروا فجأة في قمبيلا الأثيوبية، كما ظهروا قبل عامين فجأة في كنشاسا. إذن فلا عجب إن كانوا قد ظهروا في يوم من الأيام فجأة في بلاد النوبة أيضاً.
قبل أن ندلف إلى الجزء التالي من المقال ينبغي التوقف عند ما أورده آدمز من شك حول امتلاك المجموعة (ج) الفعلي لذلك الكم الكبير من الأبقار. فقد بنى آدمز شكه على قلة عظام الأبقار التي وجدت في الحفريات بمنطقة بطن الحجر، والتي يرجع تاريخها إلى حوالي 1600 ق.م ، حيث لم تتعد 6%، بينما بلغت عظام الضأن والماعز 40%، وعظام الغزلان 45%. لذلك عبَّر صراحة عن اختلافه مع كل من إمرى وآركل حول امتلاك هذه المجموعة أعداداً ضخمة من القطعان، داعياً إلى إعادة قراءة عبارة They were cattle owners on a large scale (وهم ملاك ماشية على نطاق واسع) لتقرأ They aspired to be cattle owners on a large scale (وقد تطلعوا إلى أن يكونوا ملاك ماشية على نطاق واسع). ففي رأيه أن هذه المجموعة في الواقع لم تمتلك الماشية، وأن تكرار صورة البقرة في اللوحات الأثرية لهذه الحقبة لا تمثل الواقع، بل هي عبارة عن تطلعات. لسنا مؤرخين، ولكننا نجد مثل هذا الرأي غاية في الخطورة واتجاهاً يمكن أن يفضي إلى نسف كل ما توصل إليه علماء الآثار من حقائق، إذ بنفس هذا المنطق يمكننا أن نشك في اللوحات التي تجسِّد انتصارات الملوك على أعدائهم وصور الأسرى مكبَّلين في السلاسل، باعتبارها أيضاً محض تطلعات. من ناحية أخرى، يقول آدمز: “ربما تكون المجموعة (ج) النوبية أولى الشعوب الإفريقية التي تطورت فيها عقدة الأنشطة الاجتماعية والطقوسية المرتبطة بالماشية”. ولكن السؤال: هل يمكن لمثل هذه العقدة أن تنبع من فراغ؟ بما أن آدمز لم يدَّعِ أن هذه المجموعة هي أولى الشعوب الإفريقية امتلاكاً للماشية، فتطوُّر هذه العقدة في هذه المجموعة يفترض اتصالها وتعايشها مع شعب كان يمتلك الماشية ويمارس الأنشطة المرتبطة بها فأعجبوا بها وأخذوها منهم. لذلك فإننا نرى أن ما خلص إليه آدمز في هذا الصدد لا يعدو كونه اجتهاداً غير موَفَّق. فالأقرب إلى الحقيقة يتمثل في هجرة شعب جديد إلى بلاد النوبة يحمل نمطاً اقتصادياً واجتماعياً جديداً يتمحور حول البقرة واختلط مع أهل الديار الأصليين (أي النوبة) وأثر فيهم وتأثر بهم.
كذلك لم يوَفَّق آدمز في اعتراضه على وصف إمرى للمجموعة (ج) بأنها “عنصر بشري مستقر مسالم يمتلك الأبقار (non-aggressive race of cattle owners). فيعترض آدمز على هذا القول بأنه لا يوجد اليوم في القارة الإفريقية عنصر بشري يمتلك الأبقار ويكون مسالماً في نفس الوقت، حيث إن الرعاة في حالة غارات مستمرة على بعضهم البعض على مستوى القرى أو القبائل. إن ما ذكره آدمز لا يصدق على الفولانيين البدو (الأمبرورو) على وجه الخصوص، إذ لم يعرف عنهم عادة الاعتداء على مواشي الغير.
سنسعى في الجزء التالي من المقال إلى إبراز بعض من العناصر الثقافية والعقائدية المميزة لقدماء النوبة، والتي اندثرت عندهم بينما ما زالت متأصلة في ثقافة الفولانيين وواقعاً معاشاً عندهم.
من هذه العناصر، المهارة العالية في استخدام السهام (النشاب) التي اشتهر بها كل من النوبة والفولانيين الرعاة وشبه المستقرين في الماضي والحاضر. لا نعرف على وجه الدقة متى وكيف دخل القوس والسهم إلى بلاد النوبة، غير أن ألدريد Aldred قد ذكر، كما أسلفنا، أن الهكسوس قد احتلوا مصر حوالي عام 1680 ق.م وأدخلوا معهم أسلحة جديدة، منها القوس وملحقاته (السهام). فمن المحتمل أن يكون قدماء النوبة قد اكتسبوا هذا السلاح من خلال اتصالهم بالحضارات المصرية المتعاقبة. على أية حال، فإن التاريخ يتحدث عن براعة النوبة في استخدام هذا السلاح، حيث استخدموه بمهارة فائقة في حروبهم ضد الجيوش العربية حتى نعتهم العرب بـ”رماة الحدق” . وقد كان الملوك الكوشيون يطلقون على بلادهم اسم “تاسيتي”، أي بلاد السهام.
من ناحية أخرى، فإن النشاب كان، وما زال إلى يومنا هذا، السلاح الذي يتميز به الفولانيون عن سائر الشعوب الإفريقية، ولهم فيه أسرار وأسحار، وهو السلاح الأساس الذي استخدموه في كل الحروب الجهادية التي خاضوها في غرب إفريقيا، لا سيما حركة الجهاد التي قادها الشيخ عثمان بن فودي في شمال نيجيريا الحالية وانتهت بتأسيس الخلافة الصكتية (1903-1804). ففي قصيدة له يتوعد الشيخ محمد بلو بن عثمان بن فودي، العدو بأبيات يقول فيها:

ومغزاتي مبات إلى مكدَّ فأوقع في بلادهم الخــرابا
بجيش يملأ الآفاق طراً ويكسو السهل والحزن النشابا
وكثيراً ما يرد القوس والسهم في أدب الفولانيين الشفاهي. ففي ملحمة “باجنكرو مثلاً يبيد البطل بمفرده جيشاً من العدو قوامه ألف محارب بسهمين خرافيين. وفي موضع آخر من الملحمة يذكر الراوي أن عشراً من الرجال الأشداء ليعجزون عن حمل جعبة سهام البطل. فهذا السلاح ما زال مستخدماً عند الفولانيين الأمبرورو للدفاع عن أنفسهم ومواشيهم، وأحياناً يفضلونه على السلاح الناري، لأنه لا يحدث صوتاً ينبِّه العدو. وصفة “رماة الحدق” التي اتصف بها النوبة في الماضي تذكِّر بما يعرف عند الفولانيين الرعاة بـ”أركبي”، وهو نوع من السحر يستخدمونه عند إطلاقهم السهم فيصيب الهدف أينما كان. وأحياناً يطلقون السهم إلى أعلى على سبيل الترفيه، وبعد أن يصل مداه يعود ويستقر في كنانته (جعبته). وتجدر الإشارة إلى أنه حتى أولئك الفولانيين الذين هجروا حياة البداوة ومهنة الرعي واستقروا في المناطق شبه الحضرية، ما زالوا يحتفظون بهذا النوع من السلاح كشيء من التراث. فقلَّ أن تدخل بيتاً في مايرنو مثلاً دون أن تجد فيه قوساً وكنانة لأب أو جد للأسرة (انظر الصورة رقم (10)). وإلى اليوم يمكن رؤية بعض الناس في مايرنو وفي العديد من قرى الفولانيين الأخرى على النيل الأزرق مدجَّجين بهذا السلاح عند خروجهم لصلاة العيدين (انظر الصورة رقم (11)). أما في الجانب الآخر، فإنه من الأمور المحيِّرة ألا نجد اليوم أيَّ أثر للقوس والسهم في تراث النوبة المادي وغير المادي، وهما بهذا القدر من الأهمية في تاريخ بلاد النوبة.
ومن مظاهر الشبه بين النوبة والفولانيين الرعاة، الوظيفة الطقوسية والروحية للعصا عند كلا الشعبين. فمما يثير الانتباه في هذا الصدد، الشبه الكبير بين عصا كهنة المعابد في بلاد النوبة ذات الرأس المدبب وعصا الفولانيين المعروفين في دارفور بـ”فلاتة أم سوري”. وهؤلاء يتحصلون على هذه العصا من شجر معيَّن يسمى “البشم”، ويتم إعدادها بطول وشكل معيَّنين عبر سلسلة من التحضيرات والعمليات، حيث يقومون بتعرية ساق الشجرة من لحائها ويشذبون عروقها حتى يكون مكان منبتها مكوراً، ويعتبر رأساً للعصا تماماً كما في عصا كهنة معابد النوبة. ثم يقومون بغسلها ببول البقر ومسحها بالزبدة أو دفنها في مربط العجول أو زرائب الضأن حتى يحمر لونها وتزداد قوة. ونسبة لإجادتهم استخدامها لمختلف المآرب، فقد أصبحت سمة ملازمة لهم يعرَّفون بها (فلاتة أم سوري). لا نعرف إن كان لهذا النوع من العصي وظيفة روحية طقوسية في يوم من الأيام. أما اليوم فإن استخدامها يقتصر على الوظائف العملية.
وهناك أيضاً شكلان آخران من أشكال العصي عند الفولانيين لوحظ وجود أشباه لهما في لوحات قدماء المصريين (وربما قدماء النوبة أيضاً). أحد هذين الشكلين رأسه أشبه بوجه الإنسان أو رأس الحية، والشكل الآخر رأسه في شكل الحرف اللاتيني V (شِعْبَة، بالعامية السودانية). وكلا هذين النوعين من العصي موجود بكثرة في مايرنو (انظر الصورة رقم (12))، ولا يستخدمان لأغراض عملية، بل يحملهما كبار السن من الرجال عند ذهابهم لأداء صلاة الجمعة، مما يوحي بارتباطهما بالشعائر الدينية في يوم من الأيام. وفي كثير من الأحيان يتوكأ إمام المسجد على أحد هذين النوعين من العصي أثناء إلقائه خطبة الجمعة أو خطبة العيد.
غير أن الأجدر بالإشارة، أن العصا ذات الرأس في شكل V تمثل العنصر الرمزي الرئيس في طقوس العبور عند الفولانيين الأمبرورو في جنوب النيل الأزرق (وربما في أماكن أخرى في إفريقيا)، حيث يظل رئيس مجموعة الشباب المعنيين بالأمر حاملاً لها في كل مراحل الطقوس إلى أن يسلمها أخيراً لرئيس مجموعة الجيل التالي، وهي بذلك أشبه بشعلة الألعاب الأولمبية.
إن المعتقد في الكبش ورمزيته يمثلان عنصراً مشتركاً آخر عند كل من قدماء بلاد النوبة والفولانيين الرعاة. فقديماً كان يرمز المرويون للإله آمون بكبش ذي قرنين كبيرين، كما أوضح عمر حاج الزاكي في قوله: “نذكر حرص الفنان المروي على إبراز قرون الكباش عندما يريد الرمز للإله آمون بإحدى هيئتيه الأولى أو الثانية”. هذا بالإضافة إلى تزيينهم لمداخل المعابد الآمونية بتماثيل لكباش جاثية: أربعة تماثيل أمام معبد تهارقو الجديد في الكوة، وثلاثة في البركل، وأخرى في النقعة. ونحسب أن هناك أوجه شبه بين الكبش النوبي (نسبة لبلاد النوبة) وكبش الفولانيين الأمبرورو المعروف بقرنيه الكبيرين الملتويين (انظر الصورة رقم (13)، وهو كبش يقود القطيع ويتبع صاحبه أينما ذهب. ويعتقد الناس – بالأخص في غرب السودان – أن هذا الكبش محاط بكثير من الأسرار، لذلك فإنهم لا يميلون إلى شرائه.
الخاتمة:
يبدو أن ما نراه اليوم في حياة الفولانيين الرعاة من تنقل داخل القارة الإفريقية وظهورهم المفاجئ في مختلف أقاليمها، كان ديدنهم في العالم القديم منذ آلاف السنين قبل ظهورهم في إفريقيا. وهناك من يرجع تعدد النظريات واختلافها حول أصلهم، إلى هذا الاحتمال. وقد سمعنا عن أحد الباحثين يعكف الآن على دراستهم انطلاقاً من هذا الافتراض. ولكننا قد تناولناهم في هذا المقال من فترة ظهورهم في إفريقيا وحاولنا جمع الشواهد التي تشير إلى وجودهم في المساحة الممتدة من صحراء سيناء إلى بلاد المغرب (قبل أن يشقوا طريقهم جنوباً إلى داخل القارة). وهذا بالطبع يقود إلى الاعتقاد باتصالهم بقدماء المصريين وتأثرهم بهم في المظهر وفي بعض المعتقدات التي وجدنا آثارها منعكسة في الواقع المعاش لبعض مجموعاتهم ومجسَّدة كمفاهيم في لغتهم الفولانية.
وكذلك رأينا كيف أن الفولانيين منذ أن عُرفوا، حياتهم مقرونة بـ”البقرة”وثقافتها، مما جعل بعض الباحثين، استناداً على ذلك وعلى أدلة أخرى، يرجِّحون أنهم (أي الفولانيين) هم العنصر الفاعل الأساس في “الحقبة البقرية” المعبَّر عنها في الرسومات والنقوش في كهوف تسيلي ناجير في الجزائر. وإذا ربطنا هذه المعلومة بالنظريات والدراسات التي أشارت إلى اتصال الفولانيين بالشعوب الليبية والبربرية، فإننا نكون قد توصلنا إلى وجود شعب متنقِّل كان يعيش إلى الغرب من بلاد النوبة، حياته وثقافته مقترنتان بالأبقار، وهم الفولانيون. لذلك دعونا المؤرخين إلى التفكير في هؤلاء الفولانيين عند بحثهم عن أصل المجموعة (ج) النوبية، والتي كانت تتميز عن المجموعتين (أ) و(ب) بنمط اقتصادي اجتماعي جديد يتمحور حول الأبقار. وقد أوردنا بعضاً من الشواهد التي تدعم أطروحتنا هذه، والمتمثلة في مكانة القوس والسهم (رماة الحدق)، والعصا (عصا الكهنة)، والكبش في تاريخ بلاد النوبة من جهة، ومكانة ثلاثتها في حياة الفولانيين (الرعاة) وثقافتهم ومعتقداتهم في الوقت الحاضر من جهة أخرى.
وفي الختام، لا ندَّعي أننا بهذا المقال قد تمكَّنا من الوصول إلى نتائج قاطعة حول صلة الفولانيين بالمجموعة (ج) النوبية، غير أننا قد فتحنا من خلاله باباً نأمل أن يلج منه باحثون من مختلف التخصصات (تاريخ، آثار، لغات، وأنثربولوجيا) عسى أن يفضي تكامل جهودهم في هذا الموضوع إلى حقائق حول هذه الصلة التي ما كانت في يوم من الأيام في الحسبان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *